الشيكات المصرفية تفقد قيمتها... المودعون أمام خسائر أكبر والمصارف تبحث عن مخارج

الشيكات المصرفية تفقد قيمتها... المودعون أمام خسائر أكبر والمصارف تبحث عن مخارج -- Oct 19 , 2026 31

تراجع سعر الدولار المصرفي في سوق الشيكات إلى نحو 12 سنتاً لكل دولار، بعدما كان عند حدود 17 سنتاً في نهاية العام الماضي، أي بانخفاض نسبته 29.4%. ويعود هذا التراجع إلى عاملين أساسيين، أولهما هو توقف مصرف لبنان عن شراء الدولارات المصرفية من المصارف على سعر 15 ألف ليرة لكل دولار، والثاني مرتبط بتقلّص محفظة القروض المصرفية التي كان يمكن تسديدها بهذه الشيكات بعدما استفاد جزء كبير من المقترضين من هذه الإمكانية خلال السنوات الماضية. عملياً، بلغت سوق الشيكات مرحلة من التشبّع، إذ تقلّصت الجهات التي لديها مصلحة في شرائها، فيما لا يزال هناك مودعون يريدون بيع دولاراتهم العالقة لدى المصارف للحصول على السيولة. وهكذا، لم يعد هناك طلب يدعم سعر الشيكات عند المستويات السابقة، بعدما استُنفد جزء كبير من استخداماتها التي نشأت خلال الأزمة.

نشأت سوق الشيكات المصرفية في بداية الأزمة، نتيجة الفرق بين الدولار النقدي والدولار الموجود في الحسابات المصرفية. المودعون الذين حُرموا من الوصول إلى ودائعهم كانوا مستعدين لبيعها بأقل من قيمتها للحصول على دولارات نقدية، فيما كان هناك مشترون يستطيعون الاستفادة من هذه الدولارات المصرفية بقيمة أعلى من المبلغ الذي دفعوه لشرائها. والمشترون هم، بصورة أساسية، المصارف والمقترضون الذين استخدموا الشيكات لتسوية التزامات مالية. ومع الوقت، تحوّل الشيك المصرفي إلى أداة لتصفية جزء من الديون والودائع التي تراكمت قبل الأزمة، بعدما أصبح شراؤه بخصم كبير يتيح تحقيق أرباح أو إقفال ديون بكلفة متدنية. إلا أن هذه العملية كانت مرتبطة بحجم الالتزامات التي يمكن تسويتها بهذه الطريقة، وهي بطبيعتها التزامات تتقلّص مع كل عملية تسوية.

«المركزي» يخفّف مشترياته
كان لعمليات المصارف مع مصرف لبنان دور في تحديد سعر الشيكات المصرفية في السوق. فالمصارف كانت تستطيع الاستفادة من الدولارات المصرفية عبر عمليات تجريها مع المصرف المركزي على أساس 15 ألف ليرة للدولار، وهو سعر أعلى من القيمة التي كانت تُباع بها هذه الدولارات في السوق. وقد استفادت بعض المصارف من هذا الفارق عبر شراء الشيكات المصرفية من الزبائن بأسعار منخفضة، ثم استخدام الدولارات الناتجة منها في عملياتها مع مصرف لبنان. وهذا ما كان يخلق طلباً على الشيكات، لأن المصارف كانت تستطيع الاستفادة من فارق السعر بين شرائها من السوق وتصريفها لدى المصرف المركزي.

لكن بحسب المعلومات، خفّف مصرف لبنان أخيراً وتيرة شراء الدولارات المصرفية من المصارف على سعر 15 ألف ليرة وصولاً إلى إيقافها بشكل كامل، ما حدّ من حجم العمليات التي يمكن إجراؤها على هذا الأساس، وبدأت اللولارات تتراكم في حسابات المصارف والزبائن. وهذا التطور ترافق مع انخفاض سعر الشيكات المصرفية من 17 سنتاً إلى 12 سنتاً.

عملياً، لم يتغيّر سعر الـ15 ألف ليرة الذي تُحتسب على أساسه هذه العمليات، إنما تراجعت وتيرتها، وبالتالي لم تعد المصارف قادرة على الاستفادة من الفارق بين السعرين بالحجم السابق. ومع تقلّص هذه العمليات، لم يعد السعر الذي يعتمده مصرف لبنان يشكّل عاملاً يدفع سعر الشيكات في السوق إلى الاقتراب منه كما كان يحصل سابقاً. وهكذا، بات السعر يتحدّد بصورة أكبر بحسب الاستخدامات الأخرى المتاحة للشيكات، وفي مقدّمتها تسديد القروض المصرفية القديمة، وهي سوق تقلّص حجمها أيضاً خلال السنوات الماضية.

تسديد القروض بالشيكات
العامل الثاني يرتبط بتقلّص محفظة القروض المصرفية منذ بداية الأزمة. فقد كانت هذه القروض أحد أهم استخدامات الشيكات، لأن المقترضين كانوا يستطيعون شراء دولارات مصرفية بأسعار متدنية، ثم استخدامها لتسديد ديونهم للمصارف بقيمتها الاسمية، حيث تسمح شروط التسوية بذلك. فالمقترض الذي لديه قرض بقيمة 100 ألف دولار، وكان قادراً على إقفاله بواسطة شيك مصرفي، يستطيع شراء الشيك مقابل 15 ألف دولار نقدي عندما يكون سعر الدولار المصرفي 15 سنتاً، ثم استخدامه لإقفال القرض بكامل قيمته. في هذه الحالة، يكون قد تخلّص من التزام بقيمة 100 ألف دولار مقابل دفع 15 ألف دولار نقدي فقط.
في المقابل، كانت المصارف تتخلّص من جزء من القروض المسجّلة في ميزانياتها، بالتزامن مع إطفاء التزامات مقابلة تجاه المودعين. وهكذا، كانت عملية شراء الشيكات جزءاً من تصفية واسعة للديون والودائع التي نشأت قبل الأزمة. لكن كل قرض كان يُقفل بهذه الطريقة يعني أن المقترض الذي اشتراه لم يعد بحاجة إلى شراء شيكات إضافية لتسديد الدين نفسه.

وبالفعل، تُظهر أرقام مصرف لبنان حجم التغيّر الذي طرأ على محفظة القروض منذ بداية الأزمة. فبحسب تقرير «المراجعة الاقتصادية الكلية» الصادر عن المصرف المركزي في حزيران 2026، تراجعت التسليفات المصرفية من 58.1 مليار دولار في كانون الثاني 2019 إلى 5.1 مليارات دولار في حزيران 2026، أي بانخفاض يتجاوز 90%. ومن أصل المبلغ المتبقي، هناك نحو 830 مليون دولار من القروض الجديدة «الفريش»، أي إن التسليفات غير المصنّفة ضمن هذه الفئة تبلغ نحو 4.3 مليارات دولار. وهذه ليست جميعها بالضرورة قابلة للتسديد بواسطة الشيكات المصرفية القديمة، ما يعني أن حجم القروض التي يمكن أن تشكّل مجالاً لاستخدام الشيكات بات أصغر من إجمالي محفظة التسليفات المتبقية.

ولا يعني ذلك أن كامل الانخفاض في محفظة القروض حصل نتيجة إقفالها بواسطة الشيكات المصرفية، إذ تدخل عوامل أخرى، من بينها التسديد النقدي والتسويات والشطوبات المحاسبية. لكن النتيجة هي أن المحفظة التي كانت تتيح للمقترضين الاستفادة من الفارق بين سعر الدولار المصرفي والدولار النقدي أصبحت أصغر بكثير مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة. واللافت أيضاً أن نسبة القروض المتعثّرة من المحفظة المتبقية بلغت 86.4% في أيار 2026، بحسب التقرير نفسه، ما يشير إلى طبيعة القروض التي لا تزال موجودة في ميزانيات المصارف، وإلى أن الجزء المتبقي منها لا يمثل بالضرورة امتداداً لسوق التسويات التي نشطت في بداية الأزمة.

في المحصّلة، كانت سوق الشيكات المصرفية وسيلة لإعادة توزيع الخسائر بين المودعين والمقترضين والمصارف. فالمودع كان يقبل بخسارة جزء كبير من وديعته مقابل الحصول على سيولة، بينما كان المقترض يحقق وفراً كبيراً عند تسديد دينه، وكانت المصارف تستفيد من إقفال الالتزامات أو من الفروقات السعرية المتاحة لها. لكن هذه العمليات لم تكن تعالج الخسائر الموجودة في النظام المصرفي، بل كانت تسمح بتصفية جزء من الالتزامات عبر تحميل المودعين الذين يبيعون شيكاتهم كلفة الحصول على السيولة. واليوم، بعدما تقلّصت هذه الاستخدامات، أصبح المودع الذي يريد بيع شيك مصرفي أمام عدد أقل من المشترين، وبسعر أقل مما كان يمكن الحصول عليه سابقاً. فالسوق التي ساعدت طوال السنوات الماضية على إقفال جزء كبير من ديون المقترضين، لم تعد تقدّم للمودعين المخرج نفسه من ودائعهم العالقة.

المصارف تبيع عقارات مقابل الدولارات المصرفية
يبدو أن المصارف تسعى إلى بدع جديدة في عالم المال من أبرزها إصدار منتجات مرتبطة بالدولار المصرفي الذي كان يباع بواسطة الشيكات. بعض المصارف تعرض على زبائنها عقارات من محفظتها مقابل اللولارات التي في حساباتهم لديها على أساس سعر 15 ألف ليرة لكل دولار مصرفي. بالنسبة إلى المصرف، فإن هذا المنتج يتيح له التخفيف من الالتزامات في ميزانيته ويتيح لمصرف لبنان أيضاً تقليص التزاماته تجاه المصارف. كل دولار مصرفي يشب من حساب الزبون يقابله شطب من حسابات المصارف لدى مصرف لبنان. طبعاً الزبون هو الخاسر الأكبر في هذه العملية لأنه يحصل على وديعته بسعر يساوي 15 ألف ليرة لكل دولار، لكنه يأمل في المقابل أن يكون العقار الذي اشتراه لديه قيمة سوقية تستطيع في المستقبل أن تغطّي بعضاً من هذه الخسارة.

ماهر سلامة - الاخبار

أقرأ أيضاَ

النص الحرفي لطعن عون بقانون إصلاح المصارف

أقرأ أيضاَ

تقرير "بنك عوده": تحسّن اقتصادي طفيف خلال أشهر الصيف